ماذا يعني الردّ الأميركي المتزامن ضدّ إيران؟
د. خالد العزّي
Thursday, 26-Feb-2026 06:57

تُعدّ التحرّكات العسكرية الأخيرة للولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط خطوة بارزة في استراتيجيّتها الموجّهة ضدّ إيران. ويظهر في هذه الخطوات دمج واضح بين القوّة العسكرية والأدوات الدبلوماسية، كجزء من الضغط المستمر على طهران، خصوصاً في وقت حسّاس يتعلّق بالمفاوضات النووية. من خلال هذه السياسة، تسعى واشنطن إلى إرسال رسالة قوية إلى إيران، مفادها أنّ الخيارات العسكرية جاهزة على الطاولة في حال فشل الحلول الدبلوماسية.

وفقاً للمصادر الأميركية، تتّجه الولايات المتحدة نحو تحرّكات جوية بارزة في المنطقة، إذ وصلت الطائرات المقاتلة من طراز F-22 وF-35 وF-16 إلى الشرق الأوسط. هذه الطائرات ليست مجرّد تعزيز للوجود العسكري، بل جزء من تقدير عملياتي عام يتضمّن نشر أسراب جوية مجهّزة بالكامل. على رغم من أنّ التفاصيل الدقيقة حول عدد الطائرات من كل طراز لم تُكشف بعد، إلّا أنّ هذه الخطوة تُعدّ رسالة واضحة حول قدرة الولايات المتحدة على نشر قوّتها الجوية بسرعة وفعالية في منطقة الشرق الأوسط، في خطوة تعكس استعداد واشنطن لدعم حلفائها العسكريِّين والضغط على طهران.

 

إلى جانب نشر المقاتلات الجوية، أُعلن أيضاً عن إرسال طائرات تزويد بالوقود من طراز KC-46A إلى مسرح العمليات في القيادة الوسطى الأميركية. هذه الخطوة تُبرز نية الولايات المتحدة في ضمان قدرة طائراتها على تنفيذ عمليات جوية مستدامة، من دون الحاجة إلى التزوّد بالوقود بشكل متكرّر. وتوفير هذه القدرات اللوجستية يعكس استعدادات واشنطن لتنفيذ عمليات جوية طويلة المدى، ممّا يعزّز قدرتها على القيام بردع عسكري مستمر ضدّ إيران وحلفائها في المنطقة.

 

الردع العسكري والضغط الدبلوماسي المتزامن

دمج القوّة الجوية مع المفاوضات النووية غير المباشرة مع إيران في جنيف هو جزء من استراتيجية متعدّدة الجوانب، تهدف إلى وضع طهران في موقف صعب. من جهة، تستخدم الولايات المتحدة «العصا الجوية» كأداة للردع العسكري، ممّا يعزّز الضغط على إيران، خصوصاً مع تزايد التوترات حول برنامجها النووي. ومن جهة أخرى، تواصل واشنطن مفاوضاتها مع طهران عبر قنوات دبلوماسية غير مباشرة، ممّا يشير إلى أنّها تسعى لتحقيق أهدافها من خلال تكتيك مزدوج يجمع بين القوّة العسكرية والضغط الدبلوماسي.

 

تسعى الولايات المتحدة من خلال نشر هذه الطائرات واستعداداتها العسكرية إلى ضمان خيارات سريعة في حال حدوث تصعيد مفاجئ. وتركّز على حماية قواتها وقواعدها العسكرية في المنطقة، بالإضافة إلى تأمين حرّية الملاحة في الممرات المائية الدولية التي تُعتبر محورية في صراعها مع إيران. بالإضافة إلى ذلك، تظل واشنطن مستعدة لتنفيذ ضربات عسكرية محدودة أو واسعة النطاق إذا انهارت المفاوضات النووية بشكل نهائي، ممّا يعكس قدرة واشنطن على اتخاذ خطوات ميدانية حاسمة إذا لزم الأمر.

 

في الوقت نفسه، يظهر الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بحسب تقارير متعدّدة، أنّه مستعد لتصعيد الضغط على إيران من خلال توجيه إشارات واضحة. وفقاً للمعطيات المتاحة، فإنّ ترامب أمهل إيران أسبوعاً للامتثال لخطوطه الحمراء التي تتضمّن ثلاثة شروط أساسية: عدم تطوير برنامج نووي جديد؛ وقف تطوير الصواريخ الباليستية بعيدة المدى؛ وعدم دعم الكيانات الموالية لإيران في المنطقة. هذه الخطوة تشير إلى أنّ ترامب يُعِدّ نفسه لاتخاذ خطوات أكثر حزماً في حال عدم استجابة إيران لهذه المطالب.

 

يُظهر دمج «العصا الجوية» مع المسار الدبلوماسي في السياسة الأميركية تجاه إيران رغبة واشنطن في تعزيز قدرتها على الضغط على طهران في مختلف الجبهات. من خلال تعزيز الحضور العسكري في منطقة الشرق الأوسط، وتكثيف المفاوضات النووية، تواصل الولايات المتحدة ممارسة الضغط على إيران من خلال مزيج من الردع العسكري والمفاوضات الدبلوماسية. هذه الاستراتيجية تُعتبر اختباراً حقيقياً لطهران، التي قد تجد نفسها في مأزق إذا فشلت في التوصّل إلى حل دبلوماسي.

 

على رغم من أنّ الولايات المتحدة تبدو في موقع قوي، إلّا أنّ إيران قد تردّ بحذر وتستفيد من المفاوضات في جنيف لتحقيق مصالحها، ممّا يفتح الباب أمام إمكانية منح ترامب «نصراً» يمكن استثماره داخلياً وعلى المستوى الدولي. في هذا الصدد، يبقى السيناريو غير محسوم، إذ ستستمر التوترات والضغوط على طهران، مع وضعية معقّدة قد تؤول إلى تداعيات سياسية وعسكرية ضخمة في الأيام المقبلة.

الأكثر قراءة